لا سايكس بيكو قبل.. ولا سايكس بيكو بعد..

عكاظ ·

لا سايكس بيكو قبل.. ولا سايكس بيكو بعد..

حين يُستدعى اسم اتفاقية سايكس بيكو، يُستعاد معها مشهدٌ مكتمل الأركان: قوتان استعماريتان ترسمان خرائط منطقةٍ لم تكونا جزءاً من نسيجها، وحدودٌ تُخطّ على الورق قبل أن تُختبر على الأرض. …

حين يُستدعى اسم اتفاقية سايكس بيكو، يُستعاد معها مشهدٌ مكتمل الأركان: قوتان استعماريتان ترسمان خرائط منطقةٍ لم تكونا جزءاً من نسيجها، وحدودٌ تُخطّ على الورق قبل أن تُختبر على الأرض. لقد كانت تلك الاتفاقية لحظة مفصلية في تاريخ المشرق العربي، ليس لأنها قسّمت الجغرافيا فحسب، بل لأنها أعادت تعريف مفهوم الدولة في المنطقة؛ بوصفها كياناً يُنشأ من الخارج لا من الداخل. غير أن هذا المسار لم يكن قدراً شاملاً. ففي الوقت الذي كانت فيه خرائط تُعاد صياغتها وفق توازنات القوى الأوروبية، كانت شبه الجزيرة العربية تشهد تجربة مغايرة تماماً، تجربة لا تُفهم إلا بوضعها خارج إطار «سايكس بيكو» نفسه. السعودية، بوصفها دولة، لم تكن نتاج لحظة تقسيم، بل حصيلة مشروع توحيد طويل قاده الملك عبدالعزيز آل سعود، مشروع بدأ من الداخل، واستند إلى مزيج من القوة العسكرية والحنكة السياسية، وانتهى إلى بناء كيان سياسي متماسك فرض نفسه واقعاً قبل أن يُعترف به رسمياً، كما حدث في معاهدة جدة. وهنا يكمن الفارق الجوهري، الذي غالباً ما يُختزل في السرديات التقليدية. فالدول التي نشأت في أعقاب «سايكس بيكو» وُلدت من خطوطٍ رُسمت مسبقاً، ثم بدأت لاحقاً في البحث عن مضمونها السياسي والاجتماعي. كانت الحدود تسبق الهوية، وكان الكيان القانوني يسبق الشعور الجمعي بالانتماء. أما في الحالة السعودية، فقد حدث العكس. الهوية السياسية والاجتماعية تشكّلت أولاً، ثم جاءت الحدود لتُعبّر عنها. لم تكن الدولة تبحث عن تعريفٍ لنفسها، بل كانت تُرسّخ تعريفاً قائماً بالفعل. …

Original source: عكاظ

Mentioned

السعودية · جدة · شبه الجزيرة العربية