حين تصبح المدرسة خياراً لا ضرورة.. لماذا يفشل الحضور؟
عكاظ ·

حين تصبح المدرسة خياراً لا ضرورة، تتكشّف أزمة الحضور المدرسي بوصفها واحدة من أكثر التحديات التربوية تعقيداً، لا لأنها مرتبطة بانضباط الطالب فقط، بل لأنها تعكس خللاً عميقاً في فلسفة التعليم وممارساته. …
حين تصبح المدرسة خياراً لا ضرورة، تتكشّف أزمة الحضور المدرسي بوصفها واحدة من أكثر التحديات التربوية تعقيداً، لا لأنها مرتبطة بانضباط الطالب فقط، بل لأنها تعكس خللاً عميقاً في فلسفة التعليم وممارساته. لم تعد المسألة في عدد الغياب بقدر ما أصبحت في سؤال أكثر إلحاحاً: لماذا لم يعد الطالب يشعر بالحاجة إلى الحضور أصلاً؟ على مدى سنوات، اجتهدت الإدارات التعليمية في إطلاق المبادرات، وتنظيم الفعاليات، وتقديم الحوافز، ومع ذلك بقي الغياب يتسلل بهدوء، بل ويتصاعد أحياناً، ما يعني أن المشكلة لا تكمن في قلة البرامج، ولكن في طبيعة التجربة التعليمية ذاتها! الطالب اليوم لا يغيب لأنه مهمل بالضرورة، يغيب لأنه لا يرى فرقاً حقيقياً بين أن يكون في الصف أو خارجه، وحين تصبح الحصة مجرد إعادة لما هو مكتوب في الكتاب، أو شرحاً يمكن تعويضه بسهولة عبر أي وسيلة، فإن الغياب لا يُشعره بالخسارة، فقد يبدو له خياراً منطقياً. الأخطر من ذلك أن كثيراً من الطلاب يغيبون دون أن يشعروا بتراكم واجبات أو ضغط معرفي أو حتى قلق من الاختبارات، وكأن النظام التعليمي نفسه لم يعد يبني تدرجاً حقيقياً يجعل الحضور ضرورة لا بديل لها. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل تراجع الإحساس بالمسؤولية لدى بعض الأسر، إذ لم يعد غياب الابن يثير القلق ذاته كما كان في السابق، حيث أصبح يُمرر أحياناً بسهولة، أو يُبرر بذرائع مختلفة، مما يُضعف أي محاولة مدرسية لبناء الانضباط. المفارقة اللافتة أن الطلاب قبل عامين تقريباً انضبطوا بشكل كبير بسبب خبر غير مؤكد عن إحالة ولي الأمر للنيابة العامة ولحقوق الطفل في حال تكرار الغياب، وهو ما يكشف أن الأنظمة ليست غائبة، بل هيبتها هي التي تراجعت، وأن الطالب وولي الأمر يستجيبان حين يشعران بجدية التطبيق لا بمجرد وجود النص. …
Original source: عكاظ