حين يصبح المال محل التنفيذ.. لا الإنسان
عكاظ ·

لم يأتِ التعديل الأخير على نظام التنفيذ كخبر عابر يمكن استهلاكه في عناوين سريعة، بل كتحوّلٍ هادئ في عمق العلاقة بين الحق ووسيلة استيفائه. …
لم يأتِ التعديل الأخير على نظام التنفيذ كخبر عابر يمكن استهلاكه في عناوين سريعة، بل كتحوّلٍ هادئ في عمق العلاقة بين الحق ووسيلة استيفائه. فالمشهد لم يعد كما كان؛ لم يعد التنفيذ يدور حول الشخص بوصفه محل الضغط، بل بدأ يتحرك نحو ذمته المالية باعتبارها محل الوفاء الحقيقي. هذا التحوّل، في جوهره، لا يُقرأ باعتباره تخفيفاً أو تشدّداً، بل إعادة تعريف دقيقة لفلسفة التنفيذ نفسها. فالسؤال لم يعد: كيف نُلزم المدين؟ بل: كيف نصل إلى الحق دون أن يتحوّل التنفيذ إلى أداة تمس ما لا ينبغي أن يُمس. ولمن لا يتابع تفاصيل هذه التعديلات، فإن أبرز ما طرأ ليس مجرد إلغاء سجن المدين بوصفه نتيجة تلقائية للدين، بل نقل مركز الثقل من الجسد إلى المال. فالتنفيذ بات يتجه إلى تتبع الأصول، والكشف عن الذمة المالية، وفرض الإفصاح، والحجز على الأموال، وبيعها عند الاقتضاء، ضمن إطار إجرائي أكثر إحكاماً وتنظيماً. وفي المقابل، لم تُرفع يد النظام عن أدواته، بل أعاد ترتيبها؛ فالتدابير كمنع السفر، والإفصاح، والحجز التحفظي، لم تُلغَ، وإنما أُعيد ضبطها لتكون أكثر تحديداً وارتباطاً بواقع الالتزام لا بمجرد وجوده. ومن التحوّلات اللافتة أيضاً، إدخال مفاهيم تعزز من انضباط العلاقة التنفيذية، مثل تحديد عمر زمني للسند التنفيذي، وتقييد بعض الإجراءات بمدد واضحة، إلى جانب إتاحة مسارات تُمكّن المدين ذاته من المبادرة بتنفيذ التزامه أو إعادة ترتيب أوضاعه، وهو ما يعكس توجهاً لا يكتفي بتحصيل الحق، بل يسعى إلى إدارة العلاقة بين أطرافه بصورة أكثر استدامة. وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة هذه التعديلات بمعزل عن المسار العام الذي تنتهجه المملكة في رفع جودة الأنظمة وتحسين بيئة الأعمال. …
Original source: عكاظ