نوتاتي الصديقات
عكاظ ·

حين هبطت الطائف، في مقتبل العمر، وبعت المحصول الذي كلّفني أبي رحمه الله بنقله من قريتنا إلى الطائف، دلفتُ إلى مكتبة في وسط السوق، واشتريت كتباً، ووجدت نوتة تسجّل فيها اليوميات، وتقبض على الأفكار التي …
حين هبطت الطائف، في مقتبل العمر، وبعت المحصول الذي كلّفني أبي رحمه الله بنقله من قريتنا إلى الطائف، دلفتُ إلى مكتبة في وسط السوق، واشتريت كتباً، ووجدت نوتة تسجّل فيها اليوميات، وتقبض على الأفكار التي تقفز في ذاكرتك مباشرة قبل أنْ تتبخر. كبيتٍ من الشعر، أو خاطرة ما، فاشتريت واحدة منها، ثم تطوّر الأمر فصرتُ أسجّل فيها كل شاردة وواردة عن يومياتي والأسرة والقبيلة، وحين اشتغلت بالصحافة صرت ألخص فيها ما يحدث لي من يوميات ومفارقات مختلفة، بل صارت النوتة رفيقي في الحل والارتحال، ففيها مواعيد الاختبارات وملاحظات على الأساتذة، وفيما بعد أساتذة الجامعة، وكنت أوقف سيارتي بجانب الدرب؛ لأكتب شيئاً قبل أن يتبخر، وخرجت بأفكار رائعة.
وذات مرة فقدت إحدى نوتاتي وهي عادة تكون سنوية، فاشتريت بديلة لها، لكنني قررت الاحتياط لأمر الفقد، فقررت تشفيرها بطريقتي، حيث اخترعت للأرقام عناصر كيميائية بحكم أنني كيميائي، فالهيدروجين يمثّل الرقم واحد والهليوم اثنان وهكذا، وهناك ما يقابل الحروف من العناصر أيضاً، المهم كانت كشفرة مورس أو لغة مخابرات عتيدة، لا أحد قادر على فك شفرتها، فقد كان لديّ حساسية من وقوع نوتتي في يدٍ عابثة. خاصة وأنا أضمنها آرائي عن الأشخاص.
ثم تطوّر الأمر بمجيء الجوال الذي كنت أسجل فيه الملاحظات بالطريقة نفسها وأنقلها إلى جهاز الحاسوب اللوحي، وإنْ كنت لا أثق فيه رغم كل احتياطات كلمات المرور والبصمة!
أقف اليوم على مذكراتي (بعضها مرّ عليه عقود طويلة)، فأجدها مادة ثرية في كل شيء تقريباً ابتداء من تاريخ العائلة والقبيلة، وتحولاتها وليس انتهاءً بالحركة الثقافية وما اعتراها من تحولات. …
Original source: عكاظ