الكتابة على السماء

عكاظ ·

الكتابة على السماء

هناك فارق بين أن تكتب عن الطيران أو تكتب عن أي قطاع آخر، ليس لأن الطيران أكثر أهمية أو تعقيداً، إنما لأنك تكتب عن عالم ضد التسرع، لا يسمح للكلمات أن تسبق الحقائق. …

هناك فارق بين أن تكتب عن الطيران أو تكتب عن أي قطاع آخر، ليس لأن الطيران أكثر أهمية أو تعقيداً، إنما لأنك تكتب عن عالم ضد التسرع، لا يسمح للكلمات أن تسبق الحقائق. في السياسة بإمكانك أن تبني رأياً على قراءة جيدة للمواقف، وفي الرياضة يمكن أن تنحاز لفريق أو رواية، وفي الاقتصاد تتعدد المدارس والنظريات، أما في الطيران فإن الحقيقة غالباً تكون مرتبطة بإجراءات ولوائح وتقارير، وسلسلة طويلة من الأسباب التي لا تظهر للعلن؛ لذلك قد يبدو هامش النقد في الطيران أضيق مما يظنه البعض، لكنها طبيعة هذا العالم، فالطيران ليس ساحة للمزايدات قدر ما هو منظومة تقوم على الانضباط والدقة، وعندما تتعلق الأمور بسلامة البشر تكون المسؤولية الأخلاقية في الكلمة أكبر من أي فرصة إثارة، فكلمة واحدة غير دقيقة قد تصنع انطباعاً مضللاً أو تهز الثقة. ولذلك فإن الكتابة عن الطيران لا تبدأ من الخبر بقدر ما تبدأ من فهم المنظومة التي صنعته، فالكاتب يحاول أن يقرأ العلاقات الخفية بين الأنظمة والقرارات والتقنية والإنسان؛ لأن الحدث في الطيران غالباً ليس سوى النتيجة الأخيرة لسلسلة طويلة من الأسباب. كل رحلة تحمل كثيراً من القصص التي لا يراها المسافرون، يمكن الكتابة عن الاقتصاد من نافذة الطيران، وعن التقنية من قمرة القيادة، وعن الإدارة من برج المراقبة، وعن الفلسفة من فكرة الإنسان الذي قرر منذ آلاف السنين أن يتحدى الجاذبية ونجح. ويذهب الطيران أبعد من ذلك فيعيد تعريف الزمن نفسه، تأخير عشر دقائق قد يعني فقدان مئات المسافرين لرحلاتهم اللاحقة وبالتالي تعطل طائرات في مطارات أخرى، وإعادة جدولة الأطقم، وخسائر مالية تمتد عبر قارات الأرض.. …

Original source: عكاظ