راية بيضاء!
عكاظ ·

عندما انبلجت أنوار ذاك الصباح القروي في جنوب المملكة قبل 47 عاماً، إثر ليلة باردة سرمدية حالكة السواد؛ كان كل شيءٍ ساكناً تماماً في البيت ذي الغرف الثلاث الحجريّة، وهي وأبناؤها ما زالوا يغطون في نوم …
عندما انبلجت أنوار ذاك الصباح القروي في جنوب المملكة قبل 47 عاماً، إثر ليلة باردة سرمدية حالكة السواد؛ كان كل شيءٍ ساكناً تماماً في البيت ذي الغرف الثلاث الحجريّة، وهي وأبناؤها ما زالوا يغطون في نوم عميق!
الطرق القوي المتلاحق على باب البيت الحديدي الكبير المطل على حوش صغير مؤذن بفجيعة!
أصبح اليوم طويلاً حزيناً على الجميع، إلا أنها بالطبع كانت أكثرهم حزناً، فهي تفقد زوجها الشاب، سندها ووالد أبنائها الصغار ليتركها أرملةً في الأربعين من العمر تواجه لوحدها أعاصير يتمهم، وتكافح ليكبروا دون أن يشعروا بنقص، وتحارب لتحافظ على ممتلكاتهم من «البلاد» و«الجبال»، قبل أن تلتهمها القلوب الجائعة لدنيا فتّانة بالسراب.
تلحّفت مزيداً من الخمائل، كي لا يلحقها إثم الخروج من بيت العزاء في شهور الحداد وهي تذهب إلى «الوادي» يومياً، تحرث وتبذر هنا؛ وتسقي زرعاً هناك، وتحصد في موسم الحصاد مستعينة بأهلها وجيرانها، ولم تكن ملابس حدادها الكثيفة على رأسها وكتفيها؛ هي من تثقل سيرها فقط، بل معها هذا الجنين في بطنها الذي رحل والده وهي حامل به في شهرها الثالث.
مرت الشهور الأولى ثقيلة، ثقل حزن الشتاء؛ الذي لا يرحل سريعاً ولا يمكن إخفاء آثاره؛ لكنها قررت أن تحتفظ بقوّتها وجسارتها كما كانت دوماً، ولطالما افتخرت بأن والدها كان يقول عنها إنها «تسوى مية رجال».
وضعت نصب عينها الحفاظ على حقوق أبنائها، ورعايتهم ليواصلوا دراستهم ويتمسكوا بدينهم وأخلاقهم.
لا تسمح بأي تأخر عن المدرسة، ولا بفوات موعد صلاة؛ ولا بأذى يلحق جيرانها وجاراتها، ولولا الله ثم هؤلاء الجارات والجيران لغدت الحياة أكثر صعوبة. …
Original source: عكاظ