الجلاء المزدوج

المصري اليوم ·

الجلاء المزدوج

فى مثل هذا اليوم 18 من يونيو عام 1956 ظَفَرَت مصرُ بجلاء آخر جندى بريطانى عن أرضها، يومذاك فرحت مصر وكان يحق لها أن تفرح، فقد ناضلت أجيال عدة لتحقيق هذا الأمل الكبير على مدى ثلاثة أرباع قرن. …

فى مثل هذا اليوم 18 من يونيو عام 1956 ظَفَرَت مصرُ بجلاء آخر جندى بريطانى عن أرضها، يومذاك فرحت مصر وكان يحق لها أن تفرح، فقد ناضلت أجيال عدة لتحقيق هذا الأمل الكبير على مدى ثلاثة أرباع قرن. والآن مضى ثلاثة أرباع قرن على ذلك الجلاء. فترة كافية لإعادة قراءة تاريخنا القريب وتدبره. كيف كانت هِمَّتُنا وعزيمتُنا فى الثلاثة أرباع قرن تحت الاحتلال. ثم كيف أصبحت هِمَّتُنا وعزيمتُنا فى الثلاثة أرباع قرن تحت الاستقلال. الاحتلال كان قوة حفز تاريخى استنهض فينا الهمم وحرَّك فينا العزائم واستخرج منا أحسن ما فينا من فضائل، الاحتلال كان تحدياً لكرامتنا وعزتنا وحريتنا فاستجبنا لهذا التحدى بما يناسبه، فكانت لنا نهضة فى كل ميدان، وكانت لنا يقظة فى كل مجال، من الصحافة والوعى، إلى الجامعة والفكر، إلى المدرسة والاستنارة، إلى القضاء والعدل، دبت فى المصريين روح جديدة عرفوها عند خاتمة القرن الثامن عشر مع مدافع نابليون تدك الإسكندرية ثم تدك القاهرة ثم لا تتورع عن دك الأزهر، ثم عرفناها مع مدافع الإنجليز أكثر من مرة حتى استتب لهم الأمر 1882، كانت هذه الصدمات كافية لاستثارة الوعى العام الذى كان أكثره لم يزل مملوكياً عثمانياً مشدوداً إلى ثقافة العصور الوسيطة. استثارة الوعى العام كانت الخطوة الأولى التى قادت خُطى المصريين لإظهار ما فيهم من عبقرية استطاعوا بها - تحت الاحتلال ورغم أنف الاحتلال - بناء نموذج لدولة وطنية حديثة تختلف عما عرفوا خلال أحقاب طويلة حكمهم فيها المماليك والعثمانيون. الاحتلال - بكل قوته - لم يكن قادراً على منع وحجب هِمَّة المصريين المتوثبة. الجلاء كان تحصيل حاصل لمسيرة طويلة من نضال المصريين. لكن الجلاء كان له معنيان: معنى ظاهر مطلوب مرغوب وهو رحيل آخر جندى بريطانى عن تراب مصر. …

Original source: المصري اليوم

Mentioned

مصر · الأزهر · القاهرة · الإسكندرية