الاختلافُ.. وفنُّ بناء الجسور (3)
المصري اليوم ·

فى المقالين السابقين تحدثنا عن «الاختلاف» بوصفه مصدرًا للثراء لا للتهديد، وعن الجسور التى تسمح للمجتمعات بأن تعيش معًا بتحضُّر، دون أن تتشابه. …
فى المقالين السابقين تحدثنا عن «الاختلاف» بوصفه مصدرًا للثراء لا للتهديد، وعن الجسور التى تسمح للمجتمعات بأن تعيش معًا بتحضُّر، دون أن تتشابه. لكن يبقى السؤال الأهم: مَن الذى يبنى هذه الجسور ويحافظ عليها؟ قد يبدو لأول وهلة أن بناء الجسور مهمة السياسيين أو الُمشرّعين أو المؤسسات الكبرى. لكن الحقيقة أن الجسور لا تُشيّد بقرار سيادى، بقدر ما تبدأ بفكرة. وكل فكرة تبدأ من كلمة. والكلمة، أى «حوار العقول»، ليست إلا تعريفًا حقيقيًّا للثقافة.
لهذا لم تكن الثقافة يومًا ترفًا اجتماعيًّا تُمارسه النخبةُ فى أوقات الفراغ، بل هى إحدى أدوات البقاء الحضارى. فالمجتمعات لا تتماسك بالقوانين وحدها، ولا بالاقتصاد وحده، ولا حتى بالمصالح المشتركة وفقط. بل تتماسكُ بوجود: «قصةٍ» كبرى يشعر الناسُ أنهم جزءٌ منها، و«ذاكرةٍ» مشتركة تمنحهم الإحساسَ بالانتماء، و«خيالٍ» جماعى يسمح لهم بأن يروا مستقبلهم معًا. من هنا تأتى قوةُ الأدب والفن. فالرواية لا تقدم حلولًا سياسية، لكنها تمنحنا شيئًا لا يقلُّ أهمية: القدرة على أن نرى العالم بعيون الآخرين. وحين يستطيع الإنسانُ أن يتخيل حياة غيره، يصبحُ أقل ميلًا إلى الكراهية وأكثر استعدادًا للفهم.
كم من قارئ خرج من رواية وهو يحملُ قلبًا أقل قسوة مما دخل به إليها؟ وكم من متفرج غادر قاعة السينما وهو يفهم إنسانًا كان يظنه غامضًا مريبًا؟ قصة واحدة قد تفعل ما تعجز عنه عشرات الخطب والمحاضرات، لأنها لا تخاطب العقل وحده، بل تصل إلى تلك المنطقة العميقة التى تتشكل فيها المشاعر والأحكام والانطباعات. لهذا تظلُّ القراءةُ، فى جوهرها، تمرينًا على التعاطف. فالقارئ لا يقتلُ الوقتَ، بل يضيف إلى عمره أعمارًا أخرى، ويعيش داخل تجارب لم يعرفها بنفسه. …
Original source: المصري اليوم