المؤسسات والتحوّل من السلطة الإدارية المطلقة إلى سلطة البيانات..
عكاظ ·

على مدى أكثر من قرن، بُنيت المنظمات الحديثة على نموذج هرمي واضح: المعلومات تصعد إلى الأعلى، والقرارات تنزل إلى الأسفل. وكانت السلطة مرتبطة بالموقع الوظيفي، وكلما ارتفع الشخص في الهيكل التنظيمي ازدادت …
على مدى أكثر من قرن، بُنيت المنظمات الحديثة على نموذج هرمي واضح: المعلومات تصعد إلى الأعلى، والقرارات تنزل إلى الأسفل. وكانت السلطة مرتبطة بالموقع الوظيفي، وكلما ارتفع الشخص في الهيكل التنظيمي ازدادت قدرته على الوصول إلى المعلومات وصلاحياته وبالتالي اتخاذ القرار. لكن الثورة الرقمية قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب، وبدأت تعيد تعريف مفهوم السلطة وخطوطها داخل المؤسسات.
كان المدير أو الرئيس يمتلك سلطة شبه مطلقة تبعاً لما يمتلكه ويحتكره من المعرفة بتفاصيل المنظمة ومجالات عملها. التي تحرك المنظمة وتتحرك بها المنظمة. فالتقارير تمر عبره، والبيانات تتجمع عنده، والموظفون يعتمدون عليه وعلى مكتبه في تحليل وفهم الواقع.
لكن الواقع الرقمي الجديد خلط الأوراق في المنظمات. فقد مكّنت سلطة البيانات بعض العاملين وبعض الإدارات الوسطى من نفس البيانات والتحليلات التي يتحصّل عليها المدير وربما أكثر، وأصبحت تلك البيانات متاحة رسمياً لكل من لديه صلاحية الوصول، بجانب «العاملين عليها» من الفنيين و المتخصصين عبر لوحات التحكم الرقمية وأنظمة الذكاء الاصطناعي ومنصات التحليل المتقدّمة. فإذاً، لم يعد السؤال (مَن يملك المعلومات؟) بل أصبح (مَن يستطيع تفسير البيانات واتخاذ القرار الصحيح بناءً عليها؟).
من ناحية أخرى، تسبّب الواقع الرقمي الجديد بتقليص المسافة بين صانع القرار والواقع التشغيلي للمنظمة. فالمدير التنفيذي أصبح مطالباً بالإلمام بأبجدية قراءة مؤشرات الأداء، والإنتاجية وحركة المبيعات، ورضا العملاء، ليختصر المرور بسلسلة طويلة من الإدارات الوسطى. وهنا بدأت تظهر أولى علامات التحوّل في مراكز القوة داخل المنظمات.
الإدارات الوسطى كانت تقليدياً تؤدي دور الوسيط بين القيادة العليا والتنفيذ. …
Original source: عكاظ