أنا أصوّر إذاً أنا موجود..!
عكاظ ·

قبل قرون، صاغ الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت عبارته الشهيرة: «أنا أفكّر إذاً أنا موجود». لم تكن مجرد جملة فلسفية، بل هي تأكيد عن أن جوهر الإنسان يكمن في عقله ووعيه وقدرته على التفكير. …
قبل قرون، صاغ الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت عبارته الشهيرة: «أنا أفكّر إذاً أنا موجود». لم تكن مجرد جملة فلسفية، بل هي تأكيد عن أن جوهر الإنسان يكمن في عقله ووعيه وقدرته على التفكير. فالإنسان موجود لأنه يفكر، ويفكر لأنه يمتلك ذاتاً واعية مستقلة عن العالم من حوله.
لكن لو عاد ديكارت إلى عالمنا اليوم، ربما سيفاجأ بأن الإنسان المعاصر قد استبدل هذه المقولة بأخرى غير مكتوبة، لكنها تُمارس يومياً ملايين المرات:
«أنا أصوّر إذا أنا موجود». ففي عصر الأجهزة الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، لم يعد الإنسان يكتفي بعيش اللحظة، بل أصبح يشعر بحاجة متزايدة إلى تصويرها وتوثيقها ونشرها وإظهارها، وكأن قيمة الحدث لم تعد فيما يضيفه إلى حياتنا، بل فيما يضيفه إلى حساباتنا.
لقد أصبحنا نوثق حياتنا أكثر من أن نعيشها. أصبحنا نبني صورنا، بعد أن كنا نبني ذواتنا. وبين واقعنا وصورنا مسافةٌ تفاقم مأساتنا، وتعمّق غربتنا. حتى لم يعد السؤال من أنت؟ بل أصبح السؤال كيف تبدو؟
ولم يعد النجاح يُقاس بما نقوم عليه وننجزه بقدر ما يُقاس بما نُظهره. هكذا انتقل الإنسان من مجتمع الإنتاج إلى مجتمع الاستعراض.
نحن لا نسافر فقط، بل نصور سفرنا. ولا نأكل الطعام فقط، بل نوثّق طعامنا. ولا نحضر المناسبات فقط، بل نبثها مباشرة. حتى اللحظات الخاصة التي كانت تنتمي إلى الذاكرة أصبحت تنتمي إلى المنصة.
لقد انتقل الإنسان المعاصر من استهلاك الأشياء إلى استهلاك الصور، ومن صناعة الخبرة إلى صناعة الانطباع. …
Original source: عكاظ