المتنبي.. بهاء القلب عندما يهزم الكبرياء

عكاظ ·

المتنبي.. بهاء القلب عندما يهزم الكبرياء

«أرَقٌ عَلى أرَقٍ وَمِثْلي يَأرَقُ وَجَوى يَزيدُ وَعَبْرَةٌ تَتَرَقْرَقُ وَعَذَلْتُ أهْلَ العِشْقِ حتى ذُقْتُهُ فعجبتُ كيفَ يَموتُ مَن لا يَعشَقُ» «لِعَيْنَيْكِ ما يَلقَى الفُؤادُ وَما لَقي …

«أرَقٌ عَلى أرَقٍ وَمِثْلي يَأرَقُ وَجَوى يَزيدُ وَعَبْرَةٌ تَتَرَقْرَقُ وَعَذَلْتُ أهْلَ العِشْقِ حتى ذُقْتُهُ فعجبتُ كيفَ يَموتُ مَن لا يَعشَقُ» «لِعَيْنَيْكِ ما يَلقَى الفُؤادُ وَما لَقي وَلِلْحُبِّ ما لم يَبْقَ مِنِّي وما بَقِي وَما كُنْتُ مِمَّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قَلْبَهُ وَلَكِنَّ مَنْ يُبْصِرْ جُفُونَكِ يَعْشَقِ» أبيات ليست غزلاً عابراً، بل سيرة داخلية لروحٍ جُرِّدت من ترف الادّعاء، وأُلقُي بها في قلب التجربة حتى النهاية. المتنبي هنا لا يكتب عن الحب بوصفه موضوعاً شعرياً، بل بوصفه امتحاناً وجودياً يعيد تشكيل الإنسان من الداخل، ويكشف هشاشته مهما بدا متماسكاً أو متعالياً. يصور النص حالة أرقٍ مركّب، أرق فوق أرق، وكأن السهر لم يعد عرضاً بل طبيعة ثانية. الأرق ليس اضطراب نوم، بل اضطراب كيان. الجوى يتكاثر، والدمعة لا تسقط بل تتردد، تتكوّن، تترقرق، إشارة إلى حزن لا يكتمل لأنه لا يجد منفذاً للخلاص. المتنبي يضعنا منذ السطر الأول أمام إنسانٍ مأخوذ بالكامل، لا يملك حتى رفاهية الانهيار الكامل. ثم ينتقل إلى وصف الصبابة بوصفها جهداً مستمراً، كأن الحب عمل شاق لا عطية سهلة. عين مسهدة وقلب يخفق؛ جسدٌ لا يهدأ، وروح لا تستقر. الصورة هنا شديدة التماسك السهد والخفقان إيقاعان متوازيان، أحدهما ظاهر والآخر خفي، وكلاهما شاهد على استبداد العاطفة. الكون كله يتحوّل إلى مرآة لهذا الوجع. البرق، الطائر، الأصوات العابرة، الإشارات الصغيرة، كلها تستدعي الفؤاد الشائق. الحب عند المتنبي عدسة تغيّر زاوية الرؤية، فلا يعود العالم محايداً، بل متورطاً. كل شيء يذكّر، وكل حركة توقظ الشوق. ثم تأتي نار الهوى التي تفوق جمرة غضا حرارتها لا تنطفئ المقارنة ليست بلاغية فقط، بل فلسفية. …

Original source: عكاظ

Mentioned

ليستر سيتي