خلط الليل بالنهار
عكاظ ·

تناقل الأخبار والسير والأحداث يحدث من غير تمحيص، وذات يوم كتبت عن خشيتي من إعادة كثير من الأحداث والسير على ألسنة الشباب كما حدث معنا في بداية حياتنا، وظللنا الجزء الأكبر من أعمارنا ننفي ونوضح أن ما …
تناقل الأخبار والسير والأحداث يحدث من غير تمحيص، وذات يوم كتبت عن خشيتي من إعادة كثير من الأحداث والسير على ألسنة الشباب كما حدث معنا في بداية حياتنا، وظللنا الجزء الأكبر من أعمارنا ننفي ونوضح أن ما يتم ترسيخه في المجتمع قولاً ضعيفاً أو مكذوباً أو مشوّهاً، والآن نسمع ونرى تناقل تلك الأحداث أنها صحيحة، وهذه آفة ما يتم قراءته من غير تبيّن.
وكتبت مقالة بعنوان (الاستعادة والنسيان)، بدأت بهذا السؤال:
هل التاريخ في حالة اجترار؟
وقبل الإجابة فإن عملية الاجترار حالة تميّز الحيوان المجتر عن بقية المخلوقات، وتؤكد علوم الحيوان أن عملية الاجترار هذه تحدث كون المعدة في وصفها التشريحي في المجترات تعتمد على إعادة المضغ والخلط مع اللعاب مع التنبيه العصبي للاجترار، وأنها حركة دودية معكوسة يُرتجع بوساطتها الطعام المهضوم جزئياً والمبتلع سابقاً والمتجمع في الكرش والشبكية إلى الفم ليعاد مضغه وخلطه باللعاب، ثم يُعاد بلعه.
هذه المعلومة العلمية المقتبسة من مكان ما، احتجتها لأبدأ مقالتي هذه بهذا السؤال: هل نحن كائنات مجترة، سواء في الأكل أم في التفكير أو في أحداث الحياة، ويبدو أن ما مضى من أحداث حياتية نقوم باجترارها، فعشرات الأخطاء التاريخية حدثت، وتم البناء عليها، وما زالت الكتابات تلوك تلك الأخطاء، وظل كثير من الكتاب يفنّد ويحلل أسباب ونتائج ما أفضت إليه الأخطاء التاريخية.
ولأن الحياة ليس لها رغبة في تعطيل حركيتها للأمام، فهي لا تلتفت للخلف مهما كانت جسامة ما حدث، ولأن الحياة مثل المقبرة لا ترد حيّاً جاء إليها، هي أيضاً لا تقبل أن تُدفن في مقبرة الماضي.
فما جدوى الكتابة عن ماضٍ لن يستطيع استعادة حيويته؟ …
Original source: عكاظ