قارئ الليل

عكاظ ·

قارئ الليل

عندما يسود الليل في هدوئه العميق وتنسحب الأصوات من حول العالم شيئاً فشيئاً، لا يهم المثقف القارئ الضوء الخافت أمامه من المصباح سوى أن يرافق الكلمات التي تتراقص على الصفحات، فتمنحه حياة ثانية بعيدة عن …

عندما يسود الليل في هدوئه العميق وتنسحب الأصوات من حول العالم شيئاً فشيئاً، لا يهم المثقف القارئ الضوء الخافت أمامه من المصباح سوى أن يرافق الكلمات التي تتراقص على الصفحات، فتمنحه حياة ثانية بعيدة عن صخب النهار ووجوه الناس، فالليل هنا مساحة يكتشف فيها القارئ نفسه، خصوصاً وقد اختفى كل ما يشتت الانتباه له من ضغوط وأعذار؛ ليغوص في عوالم الفكر والمعنى مدركاً أن هذه اللحظة الهادئة تحمل عمراً كاملاً من الهدوء والفهم. القارئ الليلي يعرف تماماً أن القراءة تمنحه القدرة على أن يكون أكثر من شخص واحد، إنه يعبر الأزمنة، يزور أماكن وأفكاراً لم يكن ليصل إليها في يقظة النهار، ومع كل صفحة يمر بها يشعر أن القراءة في هذا الوقت المتأخر تحمل معها وعداً بأن المعرفة هي معرفة الفضاء الداخلي للذات الذي لم يكتشفه بعد. وأنا أعرف هذا الطريق جيداً لأنني سلكته وما زلت أسير فيه حتى الآن ليلة بعد ليلة، وفي هذا الوقت تحديداً تصبح القراءة بالنسبة لي أكثر صدقاً وقسوة، وأكثر رحمة في آن واحد، وكلما قرأت أكثر اقتربت أكثر من الصورة التي أريد أن أكونها بعيداً عن ضجيج الأدوار المفروضة عليّ في وضح النهار. إن القراءة الليلية تصنع صمتاً داخلياً قبل أن تصنع معرفة، صمتاً يتيح للإنسان أن يختبر ذاته بعيداً عن ضجيج الظهور والاعتبارات السطحية، فإذا صادفت يوماً مثقفاً صامتاً قليل الكلام، لا يسعى للظهور ولا يلهث وراء الإقناع، فلا تفسّر هدوءه بالبرود أو الغرور، لأن صمته غالباً نتاج ليالٍ طوال قضاها في القراءة قال فيها ما لم يقله للناس، فقد أصبح الصمت لديه امتداداً طبيعياً لكل تلك الحوارات العميقة التي عاشها بينه وبين الكتب. …

Original source: عكاظ