ما الذي يبقى من الفن حين يفقد لغته؟
عكاظ ·

هناك أسئلة تبدأ من الكلمات، ثم تقود إلى ما هو أبعد منها، إلى الكيفية التي يبصر بها الإنسان نفسه، ويفهم عبرها العالم من حوله. …
هناك أسئلة تبدأ من الكلمات، ثم تقود إلى ما هو أبعد منها، إلى الكيفية التي يبصر بها الإنسان نفسه، ويفهم عبرها العالم من حوله.
فاللغة ليست مجرد وسيلة للتفاهم، وإنما المجال الذي تنبثق داخله الرؤية، ومنه تنبع علاقتنا بالحياة والذاكرة والزمن والجمال.
إنها تدخل إلى تكوين الإنسان قبل أن ينطق بها اللسان.
ترافق نظرته إلى الأشياء، وتمنح المعنى طريقته في الظهور داخل العقل.
وحتى الأفكار التي تبدو مستقلة تمامًا تحمل في أعماقها أثر اللغة التي خرجت منها، وصورتها عن الإنسان والحياة؛ ولهذا لا تتشابه اللغات مهما تقاربت المعاني.
في كل لغة تاريخ طويل من الصور والرموز والمشاعر، وطريقة خاصة لفهم الزمن والحب والفقد والمكان.
وبعض الكلمات تفقد روحها لحظة انتقالها إلى لغة أخرى؛ لأن وراءها ذاكرة كاملة لا تنقلها المعاجم وحدها.
هنا يمكن رؤية الفنون أكثر المساحات اتصالًا بهذا المعنى.
فالإبداع لا يتكون من المهارة وحدها، وإنما من الإرث المعرفي الذي يمنحه روحه وهويته.
الموسيقى تحمل ملامح البيئة التي خرجت منها، والشعر يحمل إيقاع لغته، والسينما تعكس تصور المجتمع عن الإنسان والحياة، وحتى اللوحة التشكيلية تخبئ داخل ألوانها أثر المكان ووعيه بالجمال.
هنا تصبح الفنون انعكاسًا آخر للغة، حتى في اللحظات التي تغيب فيها الكلمات.
فاللغة تحضر في بناء الصورة، وفي حركة السرد، وفي نبرة الغناء، وفي المسافة بين الصمت والصوت داخل العمل الفني نفسه.
وقد اقترب البروفيسور عبدالله الغذامي من هذا المعنى حين أشار إلى أن الخطاب يخفي وراء معناه المباشر أنساقًا تتحرك في العمق، نظرة إلى الجمال، وطريقة في التفكير، وصورة كاملة عن الإنسان والحياة. …
Original source: عكاظ