لعبة «السيد والخادم» في حلّتها الرقمية
عكاظ ·

يرن جرس الساعة، فأفتح عيني بتثاقل. أمد يدي نحو هاتفي، فأغرق بين مقطع وآخر وخبر وتالٍ، وتتسرّب الدقائق دون أن أشعر حتى يحين وقت النهوض.
يرن جرس الساعة، فأفتح عيني بتثاقل. أمد يدي نحو هاتفي، فأغرق بين مقطع وآخر وخبر وتالٍ، وتتسرّب الدقائق دون أن أشعر حتى يحين وقت النهوض. في هذه الرحلة الرقمية، يبدو وكأن المنصات هي التي تقودني.. لا، بل أنا من يقودها! إنها نهضة تكنولوجية هائلة، وأنا مجرد مستخدم، ومع ذلك، أحياناً أجد نفسي أسيراً لوجهة لا أحددها تماماً. فهل يا ترى أنا القائد حقاً أم التابع؟ نظن أننا نتحكم بما نرى، نختار ما نحبه، نضغط على ما يثير اهتمامنا، ونعيد مشاركة ما نؤمن به، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً. في عالم الفضاء الرقمي، لسنا دائماً السادة، بل كثيراً ما نكون الطرف الذي يُقاد، وذلك بفضل الخوارزميات وتقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة. هناك أنظمة تتسلل بهدوء إلى عقولنا، تؤثر فينا دون أن نشعر، وتوجهنا طوعاً نحو محتوى غالباً ما يكون مضللاً. إنها تعيد تشكيل الواقع أمامنا، وتنسج آراءنا وسلوكياتنا بخيوط خفية يصعب إدراكها. هذه الممارسات التي نتعرّض لها هي شكل جديد من أشكال عبودية العقول، ولكن دون قيود مرئية. فنحن، بصفتنا مستخدمين، نواجه يومياً خوارزميات صمّمت بعناية لجذب انتباهنا والتأثير في معتقداتنا. كل نقرة، وكل إعجاب، وكل مشاركة ليست مجرد تفاعل عابر، بل وقود لأنظمة تدرسنا، ثم تعيد توجيهنا بدقة. قد تظن أنك المتحكم في اختياراتك ومتابعاتك ونوعية المحتوى الذي تتصفحه، لكن كل خطوة رقمية تقوم بها تُستخدم لإرشادك إلى خطوة أخرى، إلا إذا كنت واعياً تماماً لها. نعم، إنها لعبة «السيد والخادم» في حلتها الرقمية؛ أنت تستخدم المنصة، لكنها تستخدمك أيضاً. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، لا تكاد تمر بيوم دون أن تسمع عبارة «مقطع مفبرك». والتشكيك هنا ليس نابعاً من بعده عن الحقيقة، بل على العكس، من شدة اقترابه منها وواقعيته المذهلة. …
Original source: عكاظ