من اقتصاد نفطي إلى نظام موثّق قابل للاستدامة
عكاظ ·

ليس من السهل على أي دولة أن تختصر تحوّلاتها في عقدٍ واحد، لكن الأصعب من ذلك أن تتحوّل هذه التحوّلات من أرقام تُعلن، إلى نظام يُبنى، ويُقاس، ويُراجع نفسه باستمرار. …
ليس من السهل على أي دولة أن تختصر تحوّلاتها في عقدٍ واحد، لكن الأصعب من ذلك أن تتحوّل هذه التحوّلات من أرقام تُعلن، إلى نظام يُبنى، ويُقاس، ويُراجع نفسه باستمرار. هنا تحديداً، يمكن قراءة التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 لعام 2025، لا بوصفه سجلاً للإنجاز، بل بوصفه مرآة لطبيعة التحّول الذي جرى في العمق.
فالمسألة لم تعد كما اعتدنا في قياس مقدار ما تحقق، بل في الكيفية التي تحقق بها. لأن الدول قد تنجح في تسجيل نمو، أو تحسين مؤشرات، لكن القليل منها فقط من ينجح في تحويل ذلك إلى بنية مؤسسية قادرة على الاستمرار، لا تتأثر بظرف، ولا ترتبط بموجة، ولا تُدار برد فعل.
لهذا، فإن قراءة الاقتصاد السعودي اليوم لم تعد تحتمل الاختزال في «النفط». فمركز الثقل بدأ يتحرك بهدوء؛ إذ لم تعد الأنشطة غير النفطية مجرد مكمّل، بل أصبحت تمثل أكثر من نصف الاقتصاد، وتدفع نموه بوتيرة مستقرة. وهذا التحول، في جوهره، ليس رقماً يُذكر، بل إعادة تعريف لطبيعة الاقتصاد ذاته، من مورد واحد إلى منظومة مصادر.
وما يعزز هذه القراءة أن النمو لم يعد مرتبطاً بطفرة عابرة، بل جاء مصحوباً بدرجة من التوازن يصعب تجاهلها؛ تضخمٌ في حدود مستقرة، وبطالة تتراجع مقارنة بنقطة الانطلاق، وناتجٌ ينمو مدفوعاً بقطاعات تتوسع بثبات. وهذه ليست مجرد مؤشرات إيجابية، بل إشارات على أن الاقتصاد لم يعد يتحرك بعشوائية السوق، بل بمنطق إدارة واعية.
وهنا يبرز البُعد الذي قد لا يلتفت إليه كثيرون: البُعد القانوني والمؤسسي لهذا التحول. فحين تتحول الرؤية إلى منظومة قائمة على القياس، والحوكمة، وربط الأداء بالمؤشرات، فإننا لا نتحدث عن تطوير إداري فحسب، بل عن إعادة صياغة العلاقة بين القرار والنتيجة. …
Original source: عكاظ