حين يصبح الإنعاش عبئاً: دعوة لحوار وطني حول أهداف الرعاية
عكاظ ·

في ردهات العناية المركزة، حيث تُختزل الحياة أحياناً في أجراس جهاز صاخبة ودقات قلب متعبة، تتكرر مشاهد تدفعنا نحن الأطباء إلى التأمل في جدوى ما نفعله، لا من الناحية الطبية فحسب، بل من الناحية الإنسانية …
في ردهات العناية المركزة، حيث تُختزل الحياة أحياناً في أجراس جهاز صاخبة ودقات قلب متعبة، تتكرر مشاهد تدفعنا نحن الأطباء إلى التأمل في جدوى ما نفعله، لا من الناحية الطبية فحسب، بل من الناحية الإنسانية والأخلاقية. ولعل أكثر هذه المشاهد إلحاحاً على الضمير تلك المتعلقة بالإنعاش القلبي الرئوي.
يعرف الإنعاش القلبي الرئوي (CPR) بأنه مجموعة من الإجراءات الطارئة التي تُجرى حين يتوقف القلب أو التنفس، وتشمل الضغط على الصدر، والتنفس الاصطناعي، والصدمات الكهربائية، وحقن أدوية الإنعاش. لا تخلو هذه الإجراءات من شدة وقساوة في التعامل مع جسد المحتضر بشكل عام. تعود جذور هذه العملية إلى خمسينات القرن الماضي، حين طوّر الدكتور بيتر سفار والدكتور جيمس إلام تقنية التنفس فماً لفم، ثم أعقب الدكتور كواينهوفن عام 1960 ليُثبت فاعلية الضغط الخارجي على الصدر. ومنذ ذلك الحين، أصبح الإنعاش ممارسة عالمية أنقذت ملايين الأرواح.
لكن ما صُمّم لإنقاذ شاب سقط فجأة بسكتة قلبية قد لا يحمل المعنى ذاته حين يُقام على شيخ مسن هزيل، أو مُحتضرٍ يصارع مرضاً عضالاً في نهايته. الدراسات العالمية تكشف أن نسبة نجاح الإنعاش لدى كبار السن ومرضى السرطان المتقدم ضئيلة جداً، وأن الناجين منهم غالباً ما يخرجون بكسور في الأضلاع أو تلف دماغي، ومعاناة فوق عللهم دون تحسّن ملموس في نوعية الحياة. إننا في كثير من الأحيان لا نُطيل الحياة، بل نُطيل المعاناة حتى الموت.
حين كنتُ طبيباً في سنة الامتياز، استدعتني ممرضة على عَجَل لمعاينة مريض يلفظ أنفاسه الأخيرة. دخلتُ الغرفة، وأطرقت عند السرير، لأُفاجأ بصدمة لا أنساها: كان المريض صديقي منذ أيام المدرسة! لقد نخر السرطان جسده حتى غيّر ملامحه، فلم أعرفه حتى دقّقتُ في وجهه الشاحب. …
Original source: عكاظ