الممر رقم «14»
عكاظ ·

الممر رقم (14) الأخير بدار رعاية المسنين، فيه تنتهي الحياة قبل أن يتوقف النبض، وفي نهايته تقبع الغرفة رقم (014-4)، لم تكن مجرد غرفة منزوية في آخر ممر، بل كانت منفى باهتاً لأي مسنّة يكثـُر صدامها مع …
الممر رقم (14) الأخير بدار رعاية المسنين، فيه تنتهي الحياة قبل أن يتوقف النبض، وفي نهايته تقبع الغرفة رقم (014-4)، لم تكن مجرد غرفة منزوية في آخر ممر، بل كانت منفى باهتاً لأي مسنّة يكثـُر صدامها مع أقرانها في الدار، هي «منفى داخل المنفى».
كانت خالتي (أمينة) لغزاً متناقضاً، سيدة متوسطة القامة؛ رشيقة القد، تملك وجهاً صبوحاً متناسقاً بدرجة مدهشة؛ كل شيء في وجهها صغير ومرسوم بعناية، بدايةً من أنفها الدقيق إلى شعرها الطويل الكاحل. لو نظرت إليها وهي صامتة، لظننتها ملاكاً وديعاً أو طفلة تائهة، لكن هذا التناسق البديع لم يكن إلا مفارقة لروحها العاصفة، ولسانها السليط الذي لا يعرف الهدنة، وعقلها المتعب الذي غلبت عليه (اندفاعة) عفوية جعلتها لا تدرك حدوداً للانبساط أو العنف.
زفوها في شبابها لرجل (أصم) كأنهم أرادوا معادلة ضجيجها بصمته! كان زوجها الأطرش -كما يسمونه- يعيش في عالم من السكون، بينما كانت هي تملأ البيت صياحاً واعتراضاً... أنجبت منه ولدين، لكن الأمومة لم تهذب حِدتها أو تهدئ ثوراتها. ذات يوم وفي لحظةٍ غلب فيها الغضب، هاجمت أم زوجها التي كانت لا تكف عن وصفها بـ(الخبيلة)، فكان الطلاق نهاية مطافٍ لبيتٍ لم يعرف الهدوء.
انتُزع منها ابناها؛ ليتربيا في بيت عمهما بعيداً عن (خبال) أمهما، وأما هي؛ فقد بقيت طرْداً بشرياً مُلغَّما تتقاذفه الأيام... ستة أشهر عند الأخ الأكبر، ومثلها إقامة عند الأصغر! عشرون عاماً قضتها (أمينة) مغتربة بين سقفين باردين، كانت حقيبتها دوماً جاهزة، حقيبة مغتربة مدثرة ببرود الحُمق وتُهمة الجنون.. …
Original source: عكاظ